مناقشة الشبهات حول الوثيقة
لم
أكن أتوقع أن أحدا سيدافع عن هذه الوثيقة حتى اطلعت على بعض المجاملات من
بعض الناس، دافعوا فيها عن الوثيقة بالباطل، وأحسنهم من عابها بكلام خفيف
لا يناسب حجم مصيبة الوثيقة، وقد ذكرت شيئاً من كلامهم مع الإجابة عنه.
الشبهة الأولى:
يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطلح من المشركين.
ويجاب
عن ذلك بأن يقال: إن نقاشنا ليس في الصلح نفسه، ولكن في بنود الصلح التي
اشتملت على الشهادة للروافض بصلاح الدين واستقامة العقيدة.
فالنبي
صلى الله عليه وسلم قد اصطلح مع المشركين ولكنه لم يشهد لهم بسلامة الدين
واستقامة العقيدة، فالصلح شيء والشهادة لأهل الضلال والبدع بأن ديننا واحد
وربنا واحد وكتابنا واحد شيء آخر، ولاسيما من عنده بدع كفرية.
الشبهة الثانية:
قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تنازل في صلح الحديبية عن أصول عظيمة مراعاة للمصلحة. (1)
ويجاب
عن ذلك بأن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنازل عن شيء أصول
الإسلام، وحاشاه من ذلك، وإنما انتقل من شيء جائز إلى جائز آخر، فترك صلى
الله عليه وسلم كتابة الوصف بالرسالة، وكتب اسمه بدلا عنه، وليس في ذلك
تنازل عن أصل من الأصول، لأنه لم يعترف لهم بصواب اعتقادهم أو صحة دينهم.
الشبهة الثالثة:
استدلوا
بما قاله شيخنا ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻣﻘﺒﻞ ﺍﻟﻮﺍﺩﻋﻲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﺔ "ﺍﻟﻤﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺘﻨﺔ": (ﺧﺮﺟﺖ
ﻟﺠﻨﺔ ﺍﻟﻮﺍﻟﺪ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ يحيى ﺍﻟﻔﺴﻴﻞ ﻭﻭﺯﻳﺮ أﻭﻗﺎﻑ ﺍلإﺻﻼﺡ ﻭأﺧﺮﺟﺖ ﻗﺮﺍﺭا ﺣﺎﺻﻠﻪ
أﻧﻬﻢ ﻻﻳﻌﺘﺮﺿﻮﻥ ﻋﻠﻰ أهل ﺍﻟﺴﻨﺔ وأهل ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻻﻳﻌﺘﺮﺿﻮن على الشيعة، ﻭﻫﺬﺍ
ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ ﻭإﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﻻ ﻳﻘﺮﻩ أﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﻣﺎ ﻻﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﻋﻨﻪ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ
ﻣﻌﻠﻮﻡ ﻟﺪﻯ أهل ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﻌﺪ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺏ ﺧﻴﺮ ﻟﻠﺴﻨﺔ) ا.هـ
ويجاب
عن ذلك بأن شيخنا الشيخ مقبلا رحمه الله قد اصطلح مع بدر الدين الحوثي
بإشراف الدولة، وقد كان يتكلم فيه كثيرا، وقد عرفنا ضلال بدر الدين الحوثي
من كلامه الشديد في حقه، والشيخ رحمه الله تعالى لم يشهد للحوثي باستقامة
العقيدة وصلاح الدين، ولكن الشيخ اصطلح معه لكف الشر ودفع الفتنة، ومن ورع
الشيخ وإمامته وشجاعته وصدعه بالحق أنه يرى أن هذا السكوت لا يجوز في حقه
لأنه يجب عليه أن يبين ضلالهم، والصواب أن ما فعله الشيخ لا شيء فيه إذا
كان السكوت يحقق مصلحة مؤقتا في بعض الأحوال، ما دام أنه لم يشهد لهم.
وعند
التأمل نجد أن كلام شيخنا حجة على صاحب الوثيقة وليس فيه حجة له، لأن
الشيخ إذا كان يرى عدم جواز السكوت عن ضلال بدر الدين الحوثي، فكيف بمن شهد
لأبنائه الحوثيين بصحة الاعتقاد ؟.
الشبهة الثالثة:
قول بعضهم: "إن الوثيقة فيها عبارات باطلة، يجب على صاحبها أن يبين ما فيها لكن في الوقت المناسب".
ويجاب
عنه بأن يقال: ذكر العلماء أن الصلح إذا اشتمل على شيء مخالف للشريعة، فإن
هذا الشرط باطل لحديث عائشة في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب
الله أحق، وشرط الله أوثق).
قال شيخ الإسلام كما في "الفتاوى الكبرى":
(وهذا
الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على
أنه عام في الشروط في جميع العقود، ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في
البيع، بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو
الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث
تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر به، أو تحليل
ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع
العقود: الوقف وغيره) ا.هـ
وكذلك هو باطل لحديث: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا".
وقد اختلفوا: هل الشرط الفاسد في العقد يبطل العقد كله، أو يبطل الشرط فقط دون العقد ؟ على قولين ذكرهما ابن قدامة في "الكافي".
الشبهة الرابعة:
قالوا: أن صاحب الوثيقة لم يكتبها، وإنما وقع عليها.
والجواب:
أن الموقع على شيء يؤاخذ به شرعا، سواء كان الموقًّع عليه خيرا أو شرا،
لأن التوقيع له حكم الإقرار بالكلام السابق الموقع عليه، فقد يكفر الرجل
بالتوقيع إذا وقع اختيارا على كفر صريح عالما به، وكذلك قد تسقط تركته كلها
بمثل هذا التوقيع.
الشبهة الخامسة:
أنه وقع عليها وهو مكره.
والجواب: أن الفقهاء يذكرون شروطاً للإكراه ينبغي اعتبارها احترازاً من التوسع في دعوى الإكراه، وهذه الشروط هي:
1-
أن يكون من يهدد قادراً على فعل ما يهدد به، وأن يكون المأمور عاجزاً عن
الدفع أو الفرار. بل إن الحنابلة يشترطون للمكره، أن يتعرض لنوع من الضرب
والتعذيب، ولا يعدون المسلم مكرها بدون ذلك.
قال شيخ الإسلام كما في "الفتاوى الكبرى":
(تأملت
المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في
كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع
على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون
الكلام إكراهاً) ا.هـ
2- أن يكون ما يهدد به فورياً، فإن قال: "إن لم تفعل كذا فسأقتلك بعد شهر". أو نحوه فلا يعد مكرهاً.
3- أن يغلب على ظن المأمور أنه إن امتنع وقع به ما يهددونه.
4-
أن يفعل الشيء المحرم بقدر الإكراه، وهو ما يسميه الفقهاء: بقاعدة:
"الضرورة تقدر بقدرها". فلو أجبره على أن يسجد لصنم سجدة، فلا يحل له أن
يسجد سجدتين، أو أجبره أن يأكل نصف رغيف في نهار رمضان فلا يحل له أن يأكله
كله.
وهذا كله لم يحدث منه شيء.
ويختلف
حال المكره من شخص إلى آخر: فتارة يكون الصبر في حقه أفضل وهذا هو الأصل ،
وقد يكون الصبر واجباً في حق المكره إذا كان عالماً يخشى من أن يقتدي به
الناس في هذا الكفر، ولذلك صبر أحمد بن حنبل في محنته المشهورة محنة القول
بخلق القرآن.
كتبه
أبوعمار علي الحذيفي
12 صفر 1436هـ
الحاشية[1] واستدل بعض المتعصبين بكلام مبتور للشيخ ربيع حفظه الله تعالى، وهو قوله: ( أليس المشركون أنفسهم قد اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورا يوم صلح الحديبية للتنازل عنها، فلأجل المصالح والمفاسد التي راعاها استجاب لهم فيها وهي من أصول الأصول، لأن من وراء لك مصالح عظيمة، منها: النصر العزيز، والفتح المبين، واقتلاع جذور الشرك والكفر ). "مجموع كتب ورسائل وفتاوى الشيخ ربيع" (9/132).
والشيخ إنما أراد بالتنازل ترك الشيء مما يسوغ تركه، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لباطلهم بأنه حق، لذلك كتب شيخنا الشيخ ربيع في الحاشية ما يلي: ( اجعل هذه المقاطع نصب عينيك وافهم محتواها، حق الفهم لترد أكاذيب وأباطيل فالح وحزبه الأثيم في دعواهم أن ربيعا يجيز التنازل عن أصول الدين بإطلاق ) ا.هـ
فنقل المتعصب - عبدالهادي العميري - ما في متن الكتاب وترك ما في الحاشية.
المصدر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق